عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
385
اللباب في علوم الكتاب
التّخيير ، فإنّ التّخيير يكون في الواجبات ، وقد ذكر النّحويّون الفرق بين التّخيير ، والإباحة » . وقد ذكر ابن الخطيب « 1 » قول الزّمخشري هذا المتقدّم ، وذكر وجوها أخر : منها : أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالا من المبدّل ، فبيّن اللّه تعالى أنّ هذا البدل ليس كذلك ، بل هو كامل في كونه قائما مقام المبدّل ، فيكون الصائم ساكن النّفس إلى حصول الأجر الكامل من عند اللّه ، وذكر العشرة ليتوصل به إلى قوله « كاملة » ؛ لأنّه لو قال : « تلك كاملة » ؛ لجاز أن يراد به الثّلاثة المفردة عن السّبعة والسّبعة المفردة عن الثّلاثة ، فلا بدّ من ذكر العشرة . وقوله : « كاملة » يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه : إمّا أن تكون كاملة في البدل عن الهدي قائمة مقامه لا تنقص عنه ، أو أنّ ثوابها مثل ثواب القادر على الهدي ، أو أنّ حجّ المتمتع الصّائم كاملا كحج من لم يتمتّع . ومنها أنّ اللّه تبارك وتعالى لو قال أوجبت عليك صيام عشرة أيّام ، لم يبعد أن يكون دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيّام ، فإنّ تخصيص العام كثير في الشّرع ، فلما قال « تلك عشرة » كان ذلك تنصيصا على أنّ المخصص لم يوجد البتّة ، فيكون أقوى دلالة ، وأبعد من احتمال التّخصيص والنّسخ . ومنها أنّ التّوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب كقوله وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] ، وقوله وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] وفائدة التوكيد أنّ الكلام المعبّر عنه بالعبارات الكثيرة الشّريفة وبالصّفات الكثيرة ، أبعد عن السّهو والنّسيان من الكلام المعبّر عنه بعبارة واحدة ، وكونه معبرا عنه بعبارات كثيرة يدلّ على كونه مشتملا على مصالح عظيمة ، لا يجوز الإخلال بها ، فإذا كان التّوكيد مشتملا على هذه الحكمة كان ذكره هنا دالّا على رعاية هذا العدد في هذا الصّوم ، فإنّه من المهمّات التي لا يجوز إهمالها ألبتّة . ومنها أنّ هذا الكلام يزيل الإبهام الذي في تصحيف الخطّ ، فإنّ سبعة ، وتسعة متشابهان في الخطّ ، فلمّا قال بعده : « تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ » ؛ أزال هذا الاشتباه . ومنها : أنّ قوله « فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ » يحتمل أن يكون المراد : أن يكون الواجب بعد الرّجوع أنّ يكمل صيام سبعة أيّام ، على أنّه يحسب الثّلاثة المتقدّمة منها ، ويكمل عليها أربعة ، فلما قال « تلك عشرة » ؛ أزال هذا الاحتمال . ومنها : أن هذا خبر ، ومعناه الأمر ، أي : تلك عشرة فأكملوها ولا تنقصوها .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 5 / 133 .